الحمد لله المحمود على كل حال، عالمِ الغيب والشهادة الكبير المتعال، والصلاة والسلام على عبد ورسوله محمد أفضلِ الخلق في كل الخِلال، وعلى الآل والأصحاب والأتباع ما تعاقبت الأيام والليال.
أمَّا بعد، فيا عباد الله:
إنَّكم اليوم لتسمعون وترون وتعايشون واقعًا مُرًا أليمًا، وحالًا بئيسًا نكِدًا، ومظهرًا مُرعبًا مُكدِّرًا، ووضعًا حرِجًا عسيرًا، يجتاح عددًا مِن بلادنا الإسلامية العزيزة على قلوبنا، حيث اجتاحتها أمواج عاتية مِن الفتن،
فتنٌ تحرق الدين، وفتنٌ تحرق العقل، وفتنٌ تحرق البَدن، وفتنٌ أشعلت الحروب، وزادت الكُروب، واجتالت الأنفسَ والثمرات، وملأت المستشفيات والبيوت بالمصابين وأهل العاهات، وأذهبت الأموال والممتلكات، وأحرقت المُدن والأرياف، ودمَّرت البيوت والمراكب والمساجد، وأتلفت الزُّروع والثمار، وأفزعت الرجال والنساء، والصغار والكبار، والحاضر والباد، والغني والفقير، والصالح والفاسد فتنٌ قسَمت الدولة الواحدة إلى دُويلات، وأجَّجَت بين أفرادها العداوات، فتنٌ أزالت الأمْن والاستقرار، وأدخلت الرُّعب والخوف، وكثَّرت الأرامل والأيتام، فتنٌ أضعفت الاقتصاد، وأهدرت الثروات، وزادت الفقرَ وجوعَ الناس، ووسَّعت البطالة والحاجة، وقلَّلت الوظائف والأعمال، وأيقظت أهل الإفساد والإجرام، فزادت السرقات والاعتداءات
أتدرون ــ عباد الله ــ لِمَا أصابنا ذلك، وما سبب ما نحن فيه، ولماذا حَلَّ بنا، إنَّه بسبب مخالفة شرع الله ودينه البيِّن الواضح القويم
فقد أبَتْ وتنكَّبت جُموع غفيرةٌ وأعداد هائلة مِن شباب أمَّتنا وشابَّاتها أنْ تنقاد لحكم الله هذا، وتعملَ بِه، إمَّا جهلًا بِه، أو اتباعًا لهوى النفوس، أو اعتدادًا بآراء العقول، أو طَمعًا في مناصب الدنيا وجاهِها ومالها، أو حُبًّا في الشُّهرة والتصدُّر، أو تضليلًا مِن قِبل دعاةِ ووعاظِ ورموز جماعاتٍ دينية سياسية أو أحزابٍ لبرالية وعلمانية تُريد الوصول للحكم والسُّلطة عن طريقهم، أو تقليدًا لأهل الكفر في بلاد الغرب والشرق، أو انخداعًا بالمحلِّلين السياسين وأقوالهم عبْر أجهزة الإعلام وصُحفها وقنواتها الفضائية.
ولكن لا فائدة في القوم، ولا جَدوى مِنهم، إنْ نصحت فكأنَّما تُشاهد عقولًا قد سُلِبت، وفِطرًا قد مُسِخت، ونفوسًا قد تحجَّرت، وأفهامًا قد لوِّثت، حيث سَلبتها ومسختها وحجَّرتها ولوثتها وجرفتها وأعمتها قنوات إعلامية عديدة، وأحزاب وجماعات مختلفة، ورموز ودعاة ومُفكِّرون مُضِلُّون، ومُحلِّلون سياسيون وعسكريون واقتصاديون وإعلاميون ماكرون، حتى خرجوا عن نصوص وحكم شرع ربِّ العالمين، ولم يقبلوا نُصح أئمة أهل العلم والدين، واستساغوا وتبعوا مخططات ومَكر أعداء الأمَّة والدين.
فيا مَن دعوتم إلى المظاهرات والمسيرات والاعتصامات والاحتجاجات حتى قامت بسببها الثورات والحروب المهلكة المُفزعة، والفتن والمطاحن العِظام، والنَّكَبات والبلايا الشِّداد، والمِحَن والرَّزايا الغِلاظ، والخُطوب والكُروب الكِبار، والضَّعف والهوان المُزْرِي، والفقر والفاقة البئيسة، والتَّفرُّق والإنقسام الشَّنيع، والتشرُّد والنُّزوح إلى الأقاليم، والفساد العريض للدين والدنيا، والعِباد والبلاد: إنَّكم ستُسألون يوم القيامة وتتحملون وزرًا وإثمًا بسبب ما أُرِيق مِن دماء، وما سُلِب ونُهب وأُتلِف ودُمِّر وأُحرِق من أموال وأبنية ومراكب وممتلكات عامة وخاصة، وما حصل مِن فساد عريض، وحصل مِن فتن وشُرور وآلام وكُروب، لأنَّ دعوتكم وتحريضكم سبب وجودها وحصولها، ولو لم تُشعلوا قلوب الناس إليها لكانوا مع البلاد في سلامة مِن شرورها وعافية.
ويا مَن تحمَّستم مع هذه الدعوات وهؤلاء الدعاة إلى المظاهرات فتظاهرتم واعتصمتم حتى اشتعلت المواجهات والثورات بين الحاكم والمحكومين: كيف يَطيب لكم عيش ومظاهراتكم قد آلت إلى سَفك دماءِ نفوسٍ مسلمة بمئات الآلاف؟ كيف تهنأ لكم حياة
ومظاهراتكم قد تسبَّبت في ترميل نساء وتيتيم أطفال كُثر جدًا؟ كيف يرتاح لكم قلب ومظاهراتكم قد تسبَّبت في دخول الحُزن والكرب والمصاب على بيوت غفيرة فُجِعت بقتل مَن يعولها ويرعاها ويُنفق عليها مِن أبٍ أو أخٍ أو ابنٍ أو زوج؟ كيف تهدأ لكم جفون وتنام لكم عيون ومظاهراتكم قد تسبَّبت في إصابة وجرح أبدان مئات الألوف؟ كيف ستنسون ومظاهراتكم قد دمَّرت البلاد، وأوجعت العباد، وأضعفت الاقتصاد، وجلبت الخوف، وأذهبت الأمن؟.
أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، والحميدي والموصلي في الجمع بين الصحيحين وابن أبي شيبة في المصنف وغيرهم عن ابن عباس في حديث طويل أسموه بحديث السقيفة، قال فيه عمر: إنما كانت بيعة أبي بكر فَلْتَة وتمَّت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرَّها... مَن بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايَع هو ولا الذي بايعَه تغرَّة أن يُقتَلا
( صحيح البخاري 8|210 الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا، 4|2130 ح 6830. مسند أحمد بن حنبل 1|323 ح 391. الجمع بن الصحيحين للحميدي 1|104. الجمع بين الصحيحين للموصلي 1|260. المصنف 7|431 ح 37031، 37032.
تعليقات
إرسال تعليق